محمد بن خلف بن حيان ( وكيع )
170
أخبار القضاة
دخلنا مكة إذا نحن برجل ، رأسه « 1 » على كتفيه ، وله أذنان طويلتان ، نصف في رأسه ، ونصف على كتفيه ، وإذا هو ينظر كأنه مجنون ، فجعلت انظر إليه ، وأعبث به وأكلمه ، وهو ساكت ، فلما كان من غد حملت الكتاب أريد به القاضي ، فإذا القاضي صاحبي بالأمس ؛ فقلت : ما ذا صنعت ؟ وما ذا أتيت ؟ فدفعت إليه الكتاب فقضى لي ، وأمر لي بالكتاب ، فلما فرغ من حاجتنا ، وتنحينا عنه ، قال لي : يا ابن مصعب بئس الصاحب كنت لي بالأمس . وأخبرني أحمد بن أبي خيثمة ، عن مصعب ، قال جاء أبو عزارة من آل أبي مليكة يخاصم في دار عبد اللّه بن جدعان إلى الأوقص ، وكان المهدي أخذها ، وكانت في يده ، فبعث الربيع بن يونس يخاصمه ، فاختصما إلى الأوقص ، فلما جلسا بين يديه قال : ما جاء بكما ؟ قال : يقول : أبو عزارة جاءني يخاصمني في دار عبد اللّه بن جدعان « 2 » ، وهي وقف ؛ فقال الأوقص : نعم هي وقف كما قلت ؛ قال : يقول الربيع : قضيت علي قبل أن أتكلم قال : وما تتكلم ؟ إنما أجلستموني هنا للعبث ، واللّه لو كلّفتني أن أعدّ كل حجر فيها ؛ أو ميزاب لفعلت ، لم أزل أعرفها منذ أنا صبي إلى اليوم ؛ قال : فأرسل إليه المهدي : لم قضيت عليّ ؟ فقال : أنا أقضي ، أنت تقضي ؛ فإن شئت تركت ، وإن شئت أخذت ، فردها المهدي عليهم ثم اشتراها منهم بعد . وقال زبير ، عن عمّه ؛ قال : حدّثني أبو بكر بن عبد اللّه بن محمّد بن المنذر بن عبد اللّه بن الزّبير ؛ قال : خاصمت إلى الأوقص ضيعتي بالسّر سرّاء فهم ونازعني شيخ من الفهميين فقال : أرضنا ومسلّمنا ؛ فقلت : إن الأموال قد تنتقل ، وأنشدك اللّه من الذي يقول ؟ أقول وروس السّدر فوق رءوسه * لهن حفيف مثل حس الأبارد كلي أكله إن الزبير بن عاصم * إذا جاء يوما لم يرخص لعاضد فسكت ؛ فقال محمّد بن عبد الرحمن : أخبرته ، فقد أنشدك ؛ فقال : رجل منا ، يقال له محمّد بن عبد الرحمن : قم قضيت عليك . وقال الدارمي للأوقص : أبا خالد أشكو غريبا مشوّها * ببابي لا يحيا ولا يتوجّه له مقلتا كلب ومنخر ثعلب * وبالضبع إن شبهته فهو أشبه إذا قلت أقبل زادك اللّه بغضة * ثني وجهه لا بل غريمي أشوه فلو كنت إذا ما طلته ملّ وانثنى * ولكنه يمري عليّ ويسفه قال زبير : مات الأوقص في أيام موسى .
--> ( 1 ) كان الأوقص قصير الرقبة كما سيأتي في سياق ترجمته ، لهذا تندّر عليه الدارمي . ( 2 ) كذا بالأصل : والذي في أخبار مكة للأزرقي عند الكلام على دار ابن جدعان في رباع بني تيم : ابن عزارة ، وهناك تفصيل ما يتعلق بهذه الدار .